الشيخ محمد الصادقي
80
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
لمادة ذلك البلاغ تقتضي أن تذكر في القرآن والسنة بصيغ مختلفة ، ولكنها لمَّا تبلَّغ بصورة رسمية واضحة لا تقبل التأويل ، فللجمع بين نصوص الولاية بتفسير بليغ في ذلك الحشد العام الهائم أهميته المنقطعة النظير لهذا البشر النذير . ولذلك نرى في خطبة البلاغ تركيزاً بارزاً على هذه الآيات وتلكم الروايات ، تبليغاً بليغاً فائق التصور ، بالغ التصديق الحقيق ، وأهم الآيات في مادة البلاغ هي آية النصب في الانشراح وآية الولاية في نفس المائدة ، فان سائر الآيات إنما تثبت الأفضلية الروحية ، وقد يذب عنها بأن القيادة الزمنية قد تنفصل عن الروحية ، وبلاغ آية الولاية تبيين لمعناها الأولوية كما الرسول أولى بالمؤمنين من أنفسهم « 1 » . إذاً ف « بَلِّغْ » أمر ببلاغ ما أنزل عليه في العهدين : المكي والمدني كتاباً وسنّة ، فمن المكي
--> ( 1 ) . وهذا أهم الوجوه التي اعتمد عليها الرازي في تفسيره بين الوجوه العشرة ، حيث رفض وجه ولاية الأمر واختار البقية وركز على مخافة أهل الكتاب لاحتفاف الآية بآيتي التنديد بهم قائلًا : واعلم أن هذه الروايات - التي تعني نزول الآية بشأن الغدير - وإن كثرت إلَّا أن الأولى حملها على أنه تعالى آمنه من مكر اليهود والنصارى ! . وبقة الوجوه كالتالية : 1 - انها نزلت في قصة الرجم والقصاص ! وهل كان يخاف اليهود وهم كانوا تحت ذمته ؟ 2 - نزلت في عيب اليهود واستهزاءهم بالدين والنبي سكت عنهم فنزلت ! ومتى كان يسكت عن ذلك ولم يكن يسكت عن هزء المشركين في العهد المكي ؟ 3 - لما نزلت آية التخيير « يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ » فلم يعرضها عليهن خوفاً من اختيارهن الدنيا فنزلت ! ولا خوف عن قراءة آية التخيير إذ لم تكن مهمته المقام معهن وهن يردن الحياة الدنيا ! 4 - انها نزلت في امر زيد وزينب ؟ ولم يكتم الرسول صلى الله عليه وآله كتم شيئاً من الوحي فقد أعظم الفرية على اللَّه واللَّه تعالى يقول : « بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ » ولو كتم رسول اللَّه شيئاً من الوحي لكتم قوله « وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ » . 5 - انها نزلت في الجهاد فان المنافقين كانوا يكرهونه فكان يمسك احياناً عن حثهم على الجهاد ! وكيف هابهم ولم يكن يهاب المشركين الرسميين أن بقاتلهم ؟ 6 - لما نزل قوله تعالى : « وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ » سكت الرسول صلى الله عليه وآله عن عيب آلهتهم فنزلت هذه الآية ! وهل نزلت بسبهم وعصمه عن أن يسبوا اللَّه عدواً بغير علم ؟ 7 - نزلت في حقوق المسلمين وذلك لأنه قال في حجة الوداع لما بين الشرايع والمناسك هل بلغت ؟ قالوا : نعم قال صلى الله عليه وآله اللهم اشهد ! وهلا بيَّن الشرائع حتى بينها في حجة الوداع وما هي الشرائع التي لما يبنيها ؟ 8 - روى أنه صلى الله عليه وآله نزلت تحت شجرة في بعض أسفاره وعلق سيفه عليها فأتاه اعرابي وهو نائم فأخذ سيفه واخترطه وقال يا محمد من يمنعك مني ؟ فقال : اللَّه فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف من يده وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه ؟ وترى ما هو الذي أنزل اليه ولم يبلغها حتى حصل ما حصل وهكذا يضطرب مثل الرازي كالأرشية في الطوى البعيدة ويرجح ما لا يناسب تخوفه عن بلاغ ما انزل إليه ، فان هذه الأمور هي كلها أدنى تخوفاً بكثير من أصل الدعوة التوحيدية في جموع المشركين وهذا القوم اللد !